Wednesday, 19 July 2017

أنا ونتاليا‮ ‬ وأصوات المساء




وراء كل ترجمة قمت بها قصة،‮ ‬أحيانًا تكون بسيطة وأحيانًا تكون مركبة‮.‬

لترجمة رواية‮ «‬‬أصوات المساء‮» ‬الصادرة عن دار الكرمة قصة تتلخص في بعض الوقفات الشخصية والمهنية،‮ ‬قد تبدو‮ ‬غير مهمة،‮ ‬ولكنها في الحقيقة تكشف بعدًا آخر لعمل المترجم،‮ ‬ذلك الذي‮ ‬يميزه عن‮ «جوجل‮»‬ ‬وأجهزة الترجمة،‮ ‬كما أنها قد تتعارض مع الصورة الذهنية التي كونها البعض عن المترجمين بصفة عامة‮.‬



‮ ‬المؤلف والمترجم وسياسة دار النشر

عندما عُرضت عليَّ‮ ‬ترجمة هذا الكتاب،‮ ‬اتصلت بي‮ ‬المحررة في دار النشر،‮ ‬لتطلب مني أن أترجم جزءًا من الرواية،‮ ‬فوافقت‮. ‬أرسلت ما ترجمته،‮ ‬ثم أعيد إليَّ‮ ‬بعد مراجعته‮ -‬ببعض الملحوظات‮. ‬كان أول رد فعل لي هو الضيق،‮ ‬ثم،‮ ‬مع وضع قبعة المهنية‮ ‬،‮ ‬بدأت  الرد علي كل التساؤلات التي جاءتني‮.‬

وكان أول ما لفت نظري في سياسة الدار هو الرغبة في الاحتفاظ علي أسلوب المؤلفة،‮ ‬علي الرغم من أن ذلك ربما لا يكون مستساغًا لدي القارئ العربي‮. ‬وأدركت عندئذ أن نظرية‮ «موت المؤلف‮»‬ ‬لن تصلح مع هذا النص،‮ ‬وأن عليَّ‮ ‬أن أحتفظ بأسلوب المؤلفة،حتي ولو بدا‮ ‬غريبًا بعض الشيء علي القارئ العربي‮. ‬في خبراتي السابقة في الترجمة،‮ ‬كان العكس هو الذي يُطلب مني،‮ ‬ولكن لكل من أساليب الترجمة نظرياته التي لها مؤيدوها،‮ ‬وبالتالي،‮ ‬لا خطأ هنا‮ (‬كما كنا نتعلم في الماضي‮)  ‬ولكن العبرة هي أي النظريات سأختار


وقفة نظرية عن دراسات الترجمة

‮ (‬بتبسيط شديد‮)‬

بالطبع يسعي المترجم والناشر والمحرر إلي الحصول‮ ‬علي منتج نهائي يناسب السوق ويضمن التوزيع‮. ‬وبالطبع تعتقد الأغلبية أنه كلما اقتربت لقارئ‮ (‬العربي في حالتنا هذه‮)‬،‮ ‬يحصل الكتاب المترجَم علي نجاح أكبر وتكون فرص توزيعه أكبر‮. ‬يقول مثلًا‮ «جون درايدن‮»‬‬،‮ ‬مترجم‮ «فيرجيليو‮»‬ ‬إلي الإنجليزية،‮ ‬بأنه جعله يتحدث إنجليزية كان سيتحدثها بالفعل لوكان يعيش في الزمن الحاضر‮. ‬ويحدث أيضًا في الصحافة الأمريكية حاليًّا أن تتحول النصوص،‮ ‬وكأنها كتبت بالفعل بالإنجليزية،‮ ‬وأحيانًا لا يُذكر حتي اسم المترجم الذي نقلها إليها‮).‬
وهنا نجد أنفسنا نتبع المنهج الذي يدعو إليه‮ «يوجين نايدا‮»‬‬،‮ ‬رائد نزعة التوطين في الترجمة،‮ ‬بينما يهاجم هذا النهج‮ «لورنس فينوتي‮»‬ ‬حيث يري أن في التوطين اعتداء علي النص الأجنبي الأصلي وهويته،‮  ‬مما يؤدي إلي فقد الخصائص الثقافية الأساسية للنص المترجم‮.‬

ويري‮ «فينوتي»‬ ‬أن ما يفعله المترجم عادةً،‮ ‬وما يمكنه أن يفعله،‮ ‬هو الكتابة‮. ‬وبالتالي علينا أن ننظر إلي المترجم ككاتب،‮ ‬ليست له خصوصية التأليف التي تتنافس مع الكاتب الأصلي للعمل الأدبي،‮ ‬ولكنه يمتلك فن المواءمة،‮ ‬الذي يساعده فيه التراث المخزون في الأدبيات والمصادر التي تتميز بها اللغة المترجم إليها‮. ‬إن الترجمة تنقل لنا تأويل المترجم نفسه للنص،‮ ‬ولذلك لابد أن يكون هذا المترجم علي دراية كافية باللغة وبالاختلافات الثقافية بين الثقافة المنقول منها وتلك المنقول إليها‮.‬

فكان الاختيار‮: ‬سنتبع إذن منهج‮ «فينوتي‮»‬ ‬مع‮ «أصوات المساء‮»‬.‬

المؤلفة وشخصيات الرواية
في بداية الرواية تقول‮ «نتاليا جينزبورج‮»‬:‬
«‬‬جميع الشخصيات والأماكن في هذه القصة من وحي الخيال‮.‬
بعض الأماكن لا وجود لها علي أي خريطة جغرافية‮.‬
الأشخاص لا وجود لهم،‮ ‬بل ولم يكُن لهم أي وجود في أي بقعة من بقاع العالم‮.‬
يؤسفني جدًّا قول هذا،‮ ‬لأنني أحببتهم بالفعل كأنهم حقيقيون»‮.‬
في البداية قرأت الفقرة وترجمتها وشعرت ربما ببعض المبالغة،‮ ‬فهذا أسلوب جيد من المؤلفة للتشويق‮. ‬ولكني في واقع الأمر وجدت نفسي أنا أيضًا أتعاطف جدًّا مع الشخصيات،‮ ‬إلي حد أنني كنت أحيانًا أفكر في نهايات أخري لقصصها،‮ ‬أو في كلمات أخري ربما تغير من مصيرها‮.‬
تعاطفت كثيرًا مع‮ «إلسا‮»‬‬،‮ ‬ولم أستطع أن أمنع نفسي من التعاطف في الوقت ذاته مع‮ «تومازينو‮»‬. ‬أحببت شخصية‮ «بالوتا‮»‬ ‬صاحب المصنع،‮ ‬وبساطته وحبه لعماله وزوجته،‮ ‬ولم أستطع كراهية‮ «البوريللو‮»‬ ‬أيضًا‮. ‬شعرت مع»جينزبورج‮»‬ ‬أنهم بالفعل حقيقيون،‮ ‬أنهم يمثلون شخصيات كثيرة حولي،‮ ‬تعرفت علي بعضهم بالفعل في مسيرة حياتي،‮ ‬تعرفت علي معاناتهم في أشخاص قريبين مني‮. ‬تعرفت علي مَن يعشن‮ (‬كشخصياتها النسائية‮) ‬علي الهامش،‮ ‬وعلي من يحاولون طوال الوقت دفن أفكارهم والالتزام بما فرضه عليهم المجتمع،‮ ‬بمن يوهم نفسه بأنه يعيش بسعادة بينما هو في داخله حزين،‮ ‬ولا يرغب حتي في أن يعرف هذه الحقيقة‮.‬
استطاعت‮ «جينزبورج‮»‬ ‬نقل كل هذا ببساطة شديدة،‮ ‬لم تتدخل في محاولة لشرح أي شيء،‮ ‬أو تفسيره،‮ ‬بل تركت الشخصيات تعبر عن هذا في تصرفاتها اليومية المعتادة‮. ‬فكما يقول‮ «كالفينو‮»‬: ‬هي تبني الحالات النفسية التي تقدمها من خلال التصرفات،‮ ‬ولا تعلق ولا تحاول التفسير قط بطرق عقلية‮.‬

مع المحرر
وهنا جاءت المرحلة الأخيرة،‮ ‬والتي عادة ما تكون‮ ‬كالتالي في خبرة الترجمة‮: ‬يُرسَل العمل إلي الناشر،‮ ‬أحيانًا يعيده إليك بعد المراجعة لتري إضافات المراجع،‮ ‬وبالتالي يكون علي المترجم المقارنة بين النص الذي أرسله والنص المُرسل إليه،‮ ‬لأن التعديلات تكون علي النص مباشرة،‮ ‬وتكون في‮ ‬غالب الأحيان نهائية بالنسبة إلي المراجع،‮ ‬إلا لو قرر المترجم التدخل مرة أخري بقبولها أو رفضها‮.‬
وأحيانًا،‮ ‬في حالة عدم وجود مراجع،‮ ‬تتم المراجعة اللغوية،‮ ‬التي لا أعرف عنها أنا،‮ ‬كمترجمة،شيئًا‮ (‬إلا عندما أرسل أنا النص لمراجع لغة عربية قبل إرساله إلي دار النشر‮).‬
ويبقي المحرر‮ (‬إذا كان له وجود‮) ‬خفيًّا بالنسبة إليَّ،‮ ‬لا أتعامل معه تقريبًا‮.‬
لكن مع نص‮ «أصوات المساء‮»‬ ‬كان الأمر مختلفًا،‮ ‬وكانت خبرة قد أثْرَتني وأسعدتني في الحقيقة‮. ‬فلأول مرة أناقش ترجمتي بهذا الوضوح مع محررة‮ (‬لا تشعرني بدورها أن رأيها نهائي وعليَّ‮ ‬أن ألتزم به‮)‬،‮ ‬لديها نسخة أخري من النص باللغة التي تجيدها،‮ ‬تقرؤها معي لنتوصل معًا إلي أفضل منتج يصل إلي القارئ،‮ ‬نحاول معًا قراءة النص والوصول إلي ما ترغب المؤلفة بالفعل في قوله‮. ‬من هنا بدأت عملية تبادل الآراء والملفات،‮ ‬والتعديل والتنقيح‮. ‬وفي كل مرة كنت أعيد القراءة كنت أستحسن النص أكثر،‮ ‬وتعلمت أن المحرر الذي يعمل بمهنية ويحب عمله يضيف كثيرًا إلي المترجم وإلي عمله‮.‬
ربما لا يري القارئ من الترجمة سوي القشرة الخارجية،‮ ‬ربما حتي لا يهتم كثيرًا بالمترجم وبما يفعله،‮ ‬وربما يظن أن المسألة تكمن فقط في إجادة لغتين‮. ‬ولكن الحقيقة وهذا ما أثبتته الأبحاث الحديثة في مجال دراسة الترجمة‮ - ‬أن الترجمة هي عملية تحتاج إلي أكثر من ذلك بكثير،‮ ‬فهي تحتاج أيضًا إلي قدرة شخصية علي التفاعل مع النص،‮ ‬والانشغال به‮. ‬فالمترجم لا يتعامل مع نص جامد يرغب في نقله،‮ ‬ولكنه يتعامل مع مشاعر مؤلف وإبداعه‮. ‬وفي نهاية الأمر،‮ ‬وهو الأهم،‮  ‬تكمن جودة المنتج النهائي في تضافر جهود كل فريق العمل مع دار النشر في إنتاج‮ ‬هذا العمل‮.


أماني فوزي حبشي 
لأخبار الأدب 
http://adab.akhbarelyom.com/newdetails.aspx?id=302814

Monday, 17 July 2017

اللص وحب القراءة - البارون ساكن الأشجار

عاد كوزيمو فوق شجرة الجوز، ليقرأ" جيل بلا" وكان جان داى بروجي ما زال ممسكًا بالفرع، وهو شاحب الوجه و شعر رأسه ولحيته الخشن ذي اللون الأحمر، تمامًا مثل نبات الخلنج، معلقة به أوراق الشجر الجافة، وثمار الكستناء الصغيرة وإبر الصنوبر. كان ينظر بدقة إلى كوزيمو بعينين خضراوين مستديرتين وشاردتين، وكان دميمًا، قبيح الوجه.
وقرر أن يسأل: هل رحلا؟
قال كوزيمو بلطف: أجل، أجل. هل سيادتك اللص جان داى بروجى؟
-                    كيف عرفتني؟
-                    آه، هكذا، من شهرتك.
-                    وأنت إذن الذي لا ينزل أبدًا من فوق الأشجار؟
-                    نعم. وكيف عرفت هذا؟
-                    أنا أيضًا... من شهرتك.
أخذ كل منهما ينظر إلى الآخر بفضول، وكأنهما شخصان يلتقيان مصادفة، وشعر كل منهما بالسعادة لأن كل واحد منهما يعرف شيئًا عن الآخر.
ولم يعرف كوزيمو ماذا يقول أكثر من هذا، فعاد يقرأ.
- ماذا تقرأ؟!
- أقرأ "جيل بلا" لليساچ.
- كتاب جيد؟
- آه جدًا...
- هل  لازال أمامك الكثير لتنتهي من قراءته؟
- لماذا؟ تقريبًا نحو عشرين صفحة.
- لأنني أريد أن أطلب منك أن تعيرني إياه بعد أن تنتهي من قراءته.
وابتسم مضطربًا بعض الشيء وأكمل-  أتعرف؟ أقضي الأيام مختبئًا، ولا أجد شيئًا أفعله. أقصد أنه لو كان لدى كتاب من حين إلى آخر... في إحدى المرات سرقت حافلة بها أشياء قليلة، ولكن كان بها كتاب وأخذته، وحملته معي إلى مخبئ وخبأته أسفل سترتي، أعطيتهم كل الغنيمة، في سبيل الاحتفاظ بالكتاب. وفي المساء، أشعلت مصباحي، وحاولت القراءة، ولكنه كان باللاتينية! لم أفهم كلمة واحدة... - وهز رأسه - فأنا لا أعرف اللاتينية... قال كوزيمو - بالطبع، فاللاتينية لغة صعبة حقًا،  ورغمًا عنه بدأ يشعر بأنه يحتاج أن يحمى نفسه، وقال: هذا الكتاب بالفرنسية...
قال جان داي بروجي: فرنسى، توسكاني، بروفنسي، قشتالي، كلها لغات أفهمها جميعًا، وبعض الكاتالاني أيضًا: وبدأ يردد عبارات بلغات مختلفة.
وفي نصف ساعة انتهي كوزيمو من القراءة، وأعار الكتاب لجان داي بروجي.

وهكذا بدأت العلاقة بين أخي واللص. فبمجرد أن ينتهي جان داي بروجي من قراءة كتاب، كان يجري ليعيده إلى كوزيمو ليستعير منه كتاباً آخر، ويهرب ليختبئ في مخبأة السري ويغرق في القراءة.
وكنت أنا أزود كوزيمو بالكتب من مكتبة المنزل، وعندما كان ينتهي من قراءتها كان يعيدها إلي. وفي تلك الفترة أصبح يحتفظ بها لفترات أطول؛ لأنه بعد الانتهاء من قراءتها كان يعيرها لجان داي بروجي، وكثيرًا ما كانت تعود مفكوكة، وبها بقع عفن، وآثار خطوط حلزون. من يدري أين كان اللص يضعها.

في أيام محددة كان كوزيمو وجان داي بروجي يلتقيان على شجرة مُتفق عليها ليتبادلا الكتب، ثم يهرب جان داى بروجى بسرعة؛ لأن الغابة كانت دائما مليئة برجال الشرطة. وكانت تلك العملية البسيطة خطيرة جدًا لكل منهما، حتى بالنسبة إلى أخي الذي لم يكن يعرف كيف يبرر صداقته بأحد المجرمين! 

من الفصل 12 - البارون ساكن الأشجار - إيتالو كالفينو
ترجمة: أماني فوزي حبشي 

سالباتييرا

تأليف: بيدرو مايرال 
ترجمة: مارك جمال 


في رحلاتنا إلى الصعيد في أيام الشباب، كانت الراهبة المالطية الجميلة، تتمنى لنا كل مساء: أحلامًا ملونة متحركة 
تذكرتها وأنا أقرأ سالباتييرا
فهي ترجمة لرواية ملونة ومتحركة 
كنت أحاول أن أتخيل ما يقصه مايرال، وكنت أنجح في كل مرة في ذلك إلى حد كبير
القراءة عن اصابته، والألوان القاتمة في أحداث موت ابنته، وألوان لوحاته عن ولديه، حتى خيانته لزوجته

كانت ألوان لوحاته، وأحداثها، تغطي على كل أحداث الرواية في محاولات استعادة والحفاظ على أعماله الفنية
حلم جميل ملون بحياة مرسومة سنة وراء الأخرى 
كنا دائمًا نفتخر بقدرتنا على تدوين اسبوعياتنا في النشاط :) ولكن يا لروعة هذا الخيال
في سنوات مرسومة 

رواية جميلة، وصف رائع، صور متحركة وترجمة رايقة :)


Tuesday, 4 July 2017

فارس بلا وجود



ففي تلك الساعة المبكرة من الصباح كان أجيلولفو يحتاج دائمًا إلى أن يمارس تدريبًا ما للدقة، وذلك بأن يحصي الأشياء وينظمها في أشكال هندسية، أو بأن يحل المسائل الرياضية. إنها الساعة التي تفقد فيها الأشياء الظلال التي تحيط بها، والتي صاحبتها طوال الليل، لتكتسب ألوانها رويدًا رويدًا، ولكنها في الوقت نفسه تمر بشيء غير مؤكد كأنه الليمبو في بداية ظهوره، وكأن الضوء يحيط بها. إنها تلك الساعة التي يكون فيها كل شيء أقل ثقة في وجود العالم. 
كان أجيلولفو بحاجة دائمة إلى أن يشعر بوجود الأشياء أمامه وكأنها حاجز منيع يُعارض كل توترات إرادته، وهكذا فقط كان ينجح في أن يحتفظ بوعي بذاته وبوجوده أكثر ثباتًا.

ولكن عندما كان العالم حوله يغرق في عدم الثقة والغموض، كان هو أيضًا يغرق في تلك الظلال الرخوة، ولم يكن ينجح قط في أن ينتج رؤية مميزة، أو قرارات مفاجئة، أو إصرارًا ثابتًا، بل كان يشعر في هذه الأحوال بالتعب، كانت تلك هي اللحظات التي يشعر فيها بأنه يتهاوى، وفقط بمجهود جبار كان ينجح في ألا يتلاشى. عندئذ كان يبدأ في الإحصاء: إحصاء الأوراق والأحجار، الرماح وثمار الصنوبر، وأي شيء يجده أمامه. كان يضع تلك الأشياء في صفوف، أو ينظمها في مربعات أو في أشكال هرمية. وكان الانهماك في تلك المهام يسمح له بالتغلب على آلامه وابتلاع أحزانه وقلقه، وكان يسمح له بأن يستعيد بريقه وتماسكه المعتادين. 

ترجمة: أماني فوزي حبشي 

Thursday, 4 May 2017

البارون ساكن الأشجار - إيتالو كالفينو

ولكنني سرعان ما اضطرت أن أقطع رحلتي، وأن أعود إلى أومبروزا بعد استدعائي لأمر عاجل مؤسف. لقد تطورت أزمة التنفس التي تصيب أمنا فجأة، وأصبحت أكثر خطورة، ولم تعد المسكينة تقوى على مغادرة الفراش.
عندما عبرت المدخل، ورفعت عينيّ  تجاه فيلتنا، كنت موقنًا أنني سآراه هناك، كان كوزيمو معلقًا على فرع مرتفع من فروع شجرة توت، قريبة جدًا من حافة نافذة حجرة أمنا. ناديته بصوت خافت : كوزيمو! أشار إلى بإشارة كانت تعنى -في آن- أن أمنا قد تحسنت قليلاً، ولكن ما زالت حالتها خطيرة، وأن أصعد ولكن بلا ضوضاء.
 كانت الحجرة تقبع بين النور والظلمة، وكانت أمنا في الفراش تنام على كومة من الوسائد كانت تسند لها كتفيها، وكانت تبدو أكثر حجمًا من المعتاد، لم نرها هكذا من قبل.  وكان يجلس حولها بعض خادمات المنزل. لم تكن باتيستا قد وصلت بعد، لأن الكونت زوجها، والذي كان عليه اصطحابها، كان قد تعطل بسبب موسم جني العنب.
وعلى ضوء الغرفة الخافت كانت تبرز النافذة المفتوحة، والتي كانت تؤطر كوزيمو وهو واقف هناك ثابتًا على فرع الشجرة.
انحنيت لأقبل يد أمنا، عرفتنى على الفور، ووضعت يدها فوق رأسى - آه، ها قد وصلت يا بياچو.
كانت تتحدث بصوت واهن، وذلك عندما لا تضغط الأزمة بشدة على صدرها، ولكنها كانت تتحدث بطلاقة وبوعي تام. ولكن، ما أدهشني هو إحساسي أنها كانت توجه كلامها إلىّ وإلى كوزيمو على قدم المساواة، وكأنه يقف هو أيضًا بجوار فراشها، وكان كوزيمو يجيبها من فوق الشجرة.
- هل أخذت الدواء منذ فترة طويلة يا كوزيمو؟
- لا يا أمي، أخذته منذ فترة وجيزة، انتظري قليلاً قبل أن تأخذيه مرة أخرى، فلن يفيدك أخذه الآن.
وفي لحظة ما قالت له : كوزيمو، أعطني فص برتقالة، واستغربت أنا الموقف، ولكن زادت دهشتي عندما وجدت أن كوزيمو يمد من النافذة داخل الحجرة شيئاً يشبه خطاف الزوارق وبه أمسك بفص برتقالة من الطبق ووضعه في يد أمنا.
ولاحظت أنها كانت تفضل أن تتوجه إليه هو لتنفيذ هذه الأشياء الصغيرة.
- كوزيمو، اعطنى الشال.
وكان هو يبحث بالخطاف بين الأشياء الموضوعة على المقعد، ثم يرفع الشال ويعطيه لها - ها هو يا أمي.
- أشكرك يا بنى.
وكانت تتحدث معه دائمًا وكأنه على بعد خطوة واحدة منها ولكنني لاحظت أنها لم تطلب منه قط أشياء لا يمكن إنجازها من فوق الشجرة. وفي هذه الحالات كانت تطلب منى، أو من السيدات دائمًا.
وفي الليل لم تكن أمنا تستطيع النوم، وكان كوزيمو يمكث على الشجرة ليسهر بجوارها، ومعه لمبة صغيرة معلقة على أحد الفروع حتى تستطيع أن تراه أيضًا في الظلام.
وكان الصباح هو أحلك  لحظات الأزمة، وكان العلاج الوحيد هو محاولة التسرية عنها، وكان كوزيمو يعزف لها على مزمار بعض النغمات، أو يقلد صوت العصافير، أو كان يصطاد الفراشات ويجعلها تطير أمامها في الغرفة، أو كان يفتح أمامها عناقيد أزهار الوستارية.

وفي أحد الأيام المشمسة، كان كوزيمو يقف فوق الشجرة ومعه قدح يكون به فقاقيع من الصابون، وينفخ بها داخل الغرفة تجاه فراش المريضة. وعندما رأت أمنا تلك الألوان للانعكاسات التي تطير وتملأ الغرفة قالت: آه، يا لها من لعبة مسلية! حيث إن ألعابنا ونحن صغار لم تكن تحوز إعجابها، وكانت ترى أن أساليب تسليتنا طفولية جدًا ولا فائدة لها. ولكن الآن، وربما للمرة الأولى، أسعدتها إحدى ألعابنا. وكانت فقاقيع الصابون تصل إلى وجهها، وكانت هي تمزقها بأنفاسها وتضحك. ووصلت إحداها إلى فوق شفتيها ولم تتحرك انحنينا بجوارها لنراها، وسقط  القدح من بين يدي كوزيمو .. فقد ماتت أمنا.

الفصل 20 
ترجمة أماني فوزي حبشي 

Wednesday, 3 May 2017

بلا دماء - أليساندرو باريكو



سمعت نينا مرة أخرى ذلك الصوت: إنه الإنذار الأخير يا روكا.
انطلقت طلقات متتابعة وأطاحت بالمنزل من الأمام والخلف كأنها البندول، وبدا أنها لن تنتهي أبدًا، من الأمام ومن الخلف كأنها أضواء فنار على صخر بحر أسود، صبور.
أغمضت نينا عينيها والتصقت بالغطاء، وانكمشت أكثر جاذبةً ركبتيها تجاه صدرها. كانت تحب البقاء في هذا الوضع؛ كانت تشعر ببرودة الأرض أسفل جنبها كأنها تحميها، كانت تشعر بأنها لن تتخلى عنها، وشعرت بجسدها المضموم والملفوف حول نفسه كالقوقعة، وكانت تحب هذا الوضع، كأن جسدها الصَّدَفة والحيوان في آنٍ واحد يحمي نفسه، كان هذا بالنسبة إليها كل شيء، لا شيء يمكنه أن يؤذيها ما دامت في ذلك الوضع. فتحت عينيها من جديد، وقالت لنفسها: لا تتحركي، أنتِ سعيدة هكذا.
رأى مانويل روكا ابنه وهو يتوارى خلف الباب، ثم رفع نفسه بقدر ما يكفي ليلقي نظرة خارج النافذة. ثم فكّر: حسنًا. نظر إلى نافذة أخرى، نهض وصوب بندقيته بسرعة وأطلق النار.
أخذ الرجل ذو الحلّة البيضاء يسب ويلعن وألقى بنفسه أرضًا قائلًا: انظر ماذا يفعل هذا السافل! وأخذ يهز رأسه، انظر ماذا يفعل هذا الفاسق. واستمع إلى صوت طلقتين تأتيان من تجاه المزرعة، ثم سمع صوت مانويل روكا.
- لتذهب إلى الجحيم يا ساليناس.
بصق الرجل ذو الحلة البيضاء على الأرض، وقال له لتذهب أنت إلى الجحيم أيها المجرم، وألقى بنظره على يمناه ورأى إل جوري متجهمًا وهو منبطح خلف كتلة من الخشب. أشار إليه ليطلق النار. استمر إل جوري في تجهمه، كان يمسك المدفع الرشاش الصغير في يمناه، وبيسراه كان يبحث عن سيجارة في جيبه، لم تكن تبدو عليه العجلة. كان قصيرًا ونحيفًا، كان يضع فوق رأسه قبعة قذرة، وفي قدميه زوج أحذية ضخمة كمتسلقي الجبال، نظر إلى ساليناس، عثر على السيجارة، وضعها بين شفتيه، كان الجميع يطلقون عليه اسم إل جوري. نهض وأخذ يطلق النيران.

شعرت نينا بالطلقات وهي تخترق المنزل من فوقها، ثم الصمت، وانطلقت بعد ذلك طلقات أخرى متتابعة لمدة أطول. فتحت عينيها، أخذت تنظر إلى الفتحات الضيقة فوقها، أخذت تنظر إلى الضوء والتراب الذي يتساقط من بينها، ومن حين لآخر كانت ترى ظلًّا يتحرك، كان ذلك ظلّ أبيها.

ترجمة: أماني فوزي حبشي 
نشرتها دار ميريت 2004 

بلا دماء - أليساندرو باريكو

ترجمت هذه الرواية ونشرتها دار ميريت عام 2004

وهذا جزء من المقدمة، ومقطع من الرواية 

عندما صدرت هذه الرواية كان العالم قد بدأ مرحلة جديدة، كان كل ما حولنا يضج بويلات الحرب، وتُغرقه شلالات الدماء. حاولت أن أشرع في الترجمة، ولكن حالت دون ذلك ظروف كثيرة، ومنها بشاعة الجزء الأول من الرواية، ولكن العام مرّ ولم يتغير شيء فلا يزال القتلى يتساقطون في كل مكان، بل أصبح مشهد القتل معتادًا حتى بالنسبة إلى الأطفال الصغار الذين يُصدَمون به كل يوم على شاشات التليفزيون.
لم يعد المرء يستطيع فهم أي شيء مما يحدث حوله، أصبح القتل سهلًا، وكما يقول المؤلف عن بطلته: "وحاولتْ أن تتساءل من أين يأتي ذلك الإيمان العبثي بضرورة تلك الحرب البشعة، واكتشفت أنه ليست لديها إجابات".
أصبح إهدار الحياة سهلًا كأنه إغلاق منزل ما أو نافذة، الجميع يقتلون كأن أهدافهم أشجار أو ألواح خشبية.

الرواية 

حرّك مانويل روكا السلال المليئة بالفاكهة وانحنى ثم رفع غطاءً سريًّا لأحد المخازن ونظر بالداخل، كان مكان أكبر بقليل من ثقب كبير محفور في الأرض، كأنه جحر حيوان.
- استمعي إليّ يا نينا، الآن سيصل بعض الأشخاص ولا أريدهم أن يروكِ، لا بد أن تختبئي هنا في الداخل، من الأفضل أن تختبئي هنا وأن تنتظري حتى يذهبوا بعيدًا، هل فهمتِ ما أقوله؟
- نعم.
- يجب عليكِ فقط البقاء صامتة هنا.
- ...
- مهما حدث لا تخرجي. يجب ألا تتحركي، يجب فقط أن تلزمي الهدوء وأن تنتظري.
- ...
- كل شيء سيكون على ما يرام.
- نعم.
- استمعي إليّ. يمكن أن أضطر إلى الذهاب مع أولئك الأشخاص. لا تخرجي إلا عندما يأتي أخوكِ ليأخذكِ. هل فهمتِ؟ أو حتى تشعري أنه لا وجود لأحد وأن كل شيء قد انتهى.
- نعم.
- يجب أن تنتظري ألا يكون هناك أيّ شخص.
- ...
- لا تخافي يا نينا، لن يحدث لكِ أي شيء. حسنًا؟
- نعم.
- أعطيني قُبلة.
قبّلت الطفلة أباها على جبهته، الذي بدوره ربّت بيده على شعرها.
- كل شيء سيكون على ما يرام يا نينا.
ثم مكث هناك، كأن عليه أن يفعل شيئًا آخر، أو أن يقول شيئًا آخر.
قال: لم يكن هذا ما أردت. تذكري دائمًا أنني لم أكن أريد هذا.
بحثت الطفلة ببراءة بداخل عين أبيها عن شيء يساعدها على أن تفهم، لم ترَ شيئًا. انحنى أبوها وقبّلها.
- هيا اذهبي يا نينا. هيا انزلي هنا.
تركت الابنة نفسها لتسقط في الحفرة. كانت الأرض قاسية وجافة، واستلقت هناك.
- انتظري، خذي هذا.
أعطاها أبوها غطاءً، بسطته على الأرض، ثم عادت لتستلقي.
سمعت أباها يقول شيئًا ثم رأت غطاء المخزن وهو ينخفض.
أغلقت عينيها ثم فتحتهما، ومن بين ألواح الأرضية كانت تدخل لها شرائط من الضوء. سمعت أباها وهو لا يزال يتحدث معها، ثم سمعت صوت السلال وهى تُجَرّ مرة أخرى على الأرض.

ازداد الظلام هناك في الأسفل، سألها والدها عن شيء وأجابت. كانت مستلقية على أحد جانبيها، منكمشة حول نفسها كأنها في الفراش حيث لم يكن لديها شيء آخر لتفعله سوى أن تنام وتحلم. سمعت والدها يقول لها شيئًا آخر برقّة وهو ينحني أرضًا، ثم سمعت صوت طلقة مسدس، وصوت النافذة تتهشم.